|
الحلول الشرعية
للشيكات بدون رصيد
لاشك أن من المشاكل الكبيرة التي يمر بها مجتمعنا هنا ، والمجتمع
العربي بصفة عامة مشكلة
(( الشيكات بدون رصيد )).
والحقيقة أن هذه المشكلة إذا أردنا أن توجد لها حلاً شرعيا، فإن هناك ثلاث زوايا
لها : ـ
الزاوية الأولى : لماذا يشتري الإنسان بالدين ؟
إن الإنسان لا يخلو أما تكون له حاجة حقيقة للشراء، كأمور البيت الأساسية كالطباخ
والثلاجة ونحوها، ولا يكون عنده ما يستطيع به الشراء ، فيضطر حينئذ لأن يشتري
بالأقساط ، وربما احتاج إلي أن يكتب في ذلك الشيكات ، فمثل هذا لا حرج عليه إن شاء
الله ، لأنه محتاج حاجة أساسية، والشرع لم يحرم الاستدانة بل رغب في إقراض
المحتاجين ، حتى قال صلي الله عليه وسلم ( من أنظر معسراً له لكل يوم مثله صدقة
قبل أن يحل الدين ، فإذا حل الدين فأنظره له لكل يوم مثلاه صدقة رواه أحمد .
وإما أن يكون القرض من أجل الترفه والزيادة في المباحات ، فهذا مما لا ينبغي
للإنسان ، فإن الدين في الشريعة أمره مهم جداً ، حتى قال صلي الله عليه وسلم( يغفر
للشهيد كل شئ إلا الدين ) لهذا فإن من الخطأ البالغ ، أن يحمل الإنسان نفسه ما لا
يطيق من الدين ، من اجل مظاهر الدنيا الزائفة، أو التكبر علي عباد الله أو الإسراف
في المباحات فإن البركة تعدم حينئذ من حياته والسعادة تكون آنية وقت حصوله علي ما
يرد ثم تذهب ويصبح الشئ عاديا عنده لكن يبقي الدين هما يحمله إلي أن يقضيه ، وقد
قيل { الدين هم بالليل وذلة بالنهار ورحم الله أمراء عرف قدر نفسه .
--------------------------------------------------------------------------------
الزاوية الثانية :
أن الإنسان إذا تدين ولا ينبغي أن لا يكون إلا لحاجة ماسة ثم لم يستطع الوفاء حقا
وصدقاً ، فالواجب علي الدائن شرعا إن يمهله إلي حين تيسر أمره ، لقول الله عز وجل
الذي جب طلعته في كتابه المبين { فإن كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة } أي لاسيما كان
أهل الجاهلية يفعلون إذا حل علي مدينهم الأجل يؤخرونه ويزيدون عليه الدين فهذا هو
الربا الشنيع المحرك
وإذا كان الواجب شرعاً هو إمهال المعسر الذي لا يجد ما يسدد به الدين ، فكيف بمن
بسجنه ويعاقبه أو يبيع منزله وحاجته الضرورية التي لا غني عنها ؟
وهذا في حق من ليس عنده مال ، فأما من كان عنده ولكن متحايل متهاون لا يريد أن
يسدد وقد حل عليه الأجل ، فمثل هذا يجوز التكلم عليه وعقوبته ، فقد قال صلي الله
عليه وسلم { لي الواحد يحل عرضه وعقوبته } أي مماطلة الغني تحيل ذلك ، والحديث
رواه أهل السنن
ولاشك أن ظواهر الناس وقرائن الأحوال تدل علي حقيقة الأشخاص والله تعالي مطلع علي
ما تضمره القلوب وتخفيه الصدور ، وقد قال صلي الله عليه وسلم { من أخذ أموال الناس
يريد أداءها ، أدي الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله } رواه أحمد ـ
البخاري .
ونرجع إلي العاجز عن السداد لنؤكد عدم جواز أذيته أو سجنه أو التكلم في حقه ، فإن
الله سبحانه وتعالي قد رغبنا بشئ آخر عظيم ، بعد أن أوجب علينا أنظاره ( تأخيره)
فندب لنا أن نضع عنه دينه بالكلية ، فقال سبحانه في تمام الآية السابقة { وأن
تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } سورة البقرة الآية (280).
وقد وردت الأحاديث الصحيحة التي تبين وتشرح الثواب الجزيل لمن فعل ذلك:
1. ففي (( صحيح مسلم )) عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم { أن
رجلاً أتي به الله عز وجل فقال ماذا عملت في الدنيا ؟ فقال له الرجل : ما عملت
مثقال ذرة من خير أرجوك بها ، فقال ثلاثاُ وقال في الثالثة : أي رب كنت أعطيتني
فضلاً من المال في الدنيا فكنت أبايع الناس فكنت أتيسر علي الموسر وأنظر المعسر
فقال تبارك وتعالي : نحن أولى بذلك منك تجاوزا عن عبدي ، فغفر له }.
2. وفي (( صحيح مسلم )) أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلي الله عليه
وسلم قال {من نفس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم
القيامة ، ومن يسر علي معسراً يسر الله عليه في الدنيا والآخرة } الحديث .
3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : { من أنظر
معسراً أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله } رواه
أحمد الترمذي .
--------------------------------------------------------------------------------
الزاوية الثالثة :
وهي متعلقة بالشركات والمؤسسات البائعة ، التي تعلم في كثير من الأحيان ضعف أو
انعدام الرصيد المالي للشخص ، ومع هذا يبيعون له وفي نيتهم استخدام الغطاء
القانوني لمطالبته وسجنه بعد ذلك ، مع أن السجن لن ينفع أيا كان من الأطراف، ولكن
الشركات تفعل ذلك للضغط علي المشتري حتى يدبر المال من أي إنسان كفاعل خير أو قريب
ونحو ذلك ، وكل ذلك من أجل أن يصرفوا بضائعهم ويربحوا الربح الوفير، والواجب شرعا
وأخلاقا ، هو عدم الطمع وعدم الاستغلال ، وأن يحب الإنسان لإخوانه ما يحب لنفسه ،
وأن يقدر النتائج السلبية لسجن الإنسان، أو لاسيما إن كان صاحب عائلة ، والله
تعالى يقول : {إنما المؤمنون إخوة } ويقول سبحانه : { إن الله يحب المحسنين }.
|